ابن ظهيرة
172
الجامع اللطيف
الحادية والعشرون : إن قيل ما المراد بالفطرة في قول جبريل اخترت الفطرة ؟ فاعلم أن الفطرة تطلق تارة ، ويراد بها الإسلام ، وتطلق تارة على أصل الخلقة ، فمن المعنى الأول : قوله صلى اللّه عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه . ومن المعنى الثاني قوله تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها وقوله تعالى : فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مبتدئ خلقهما ، فقول جبريل : اخترت الفطرة أي اخترت اللبن الذي عليه تثبت الخلقة ، وهي نبت اللحم ونشر العظم . أقول : فيكون من باب ذكر المسبب وإرادة السبب فتأمل انتهى . أو اخترته لأنه الحلال المستمر في دين الإسلام ، وأما الخمر فحرام فيما يستقر عليه الأمر . الثانية والعشرون : يحتمل أن يكون في تقديم إناء اللبن إشارة إلى أنه شعار العلم في التعبير ، كما ورد أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : أريت كأني أتيت بقدح من لبن فشربت حتى أرى الري يخرج من أظفارى ، ثم ناولت فضلى عمر . فقالوا : يا رسول اللّه ، ما أولته ؟ قال : العلم . والإسراء وإن كان يقظة إلا أنه ربما وقعت في اليقظة إشارات على حكم الفأل تعبر كما يعبر المنام . الثالثة والعشرون : في استفتاح جبريل عليه السلام لأبواب السماء دليل على أنه صادف أبوابها مغلقة ، مع أنه صلى اللّه عليه وسلم كان قد استدعى ، فلعل واللّه أعلم الحكمة في ذلك التنويه بقدره ، وأن السماوات لم تفتح أبوابها إلا من أجله ولو صادفها مفتوحة لم يتحرر أنها فتحت من أجله ولا بد . الرابعة والعشرون : ينبغي للمستأذن إذا قيل له من هذا ، أن لا يقول أنا ، فإن جبريل لم يقل أنا عند الاستفتاح ثم وإنما سمى نفسه ، وقد أنكر النبي صلى اللّه عليه وسلم على الذي استأذن عليه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم من هذا ، فقال أنا ، فجعل النبي صلى اللّه عليه وسلم يكرر لفظة أنا إنكارا . الخامسة والعشرون : إنما كرهت هذه الكلمة لوجهين : أحدهما : أن فيها إشعارا بالعظمة ، وفي الكلام السائر أن أول من قال أنا إبليس . فشقى حيث قال أنا خير منه ، ثم فرعون فتعس حيث قال أنا ربكم الأعلى . الثاني : أنها مبهمة لافتقار الضمير إلى العود فهي غير كافية في البيان .